الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
117
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
عذابهم ، وأن يتم الحجة عليهم ، فعسى أن يعود قسم منهم إلى رشده ويسلم وأساسا فالعجلة لمن يخاف الفوت ، وهذا ما لا يصدق على القاهر القادر سبحانه وتعالى . والملاحظ في الآية ، إنها شرعت ب فمهل الكافرين فيما أكدت ذلك بقولها " أمهلهم " ، فالأول من باب ( التفعيل ) ، والثاني من باب ( الأفعال ) وقد جاء للتأكيد دون تكرار اللفظ بعينه . " رويدا " : من ( الرود ) - على وزن عود - وهو التردد في طلب الشئ يرفق ، ولها هنا معنى مصدريا مع تصغير ، أي أمهلهم مهلة صغيرة ( 1 ) . وبهذا يوصي الله عز وجل نبيه الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في هذه الجملة المختصرة ثلاث مرات بامهال ومداراة الكافرين وهذا في الحقيقة درس للمسلمين في الكيفية التي ينبغي العمل بها عند مواجهة أعداءهم ، وخصوصا إذا ما كانوا أعداء أقوياء وشرسين ، فلابد من الصبر والتأني والدقة في حساب خطوات المواجهة ، وينبغي عدم التسرع في العمل ، وكذا عدم تنفيذ القرارات غير المدروسة . مضافا إلى التبليغ والدعوة إلى الحق لابد فيها من تجنب العجلة والتسرع حتى تتاح الفرصة لكل من يمكن هديه ، فلابد من تفهيم الإسلام بكل لطف وسعة صدر مع الدليل القاطع ، وبهذا تتم الحجة على الآخرين . أما السبب في طلب الإمهال القليل ، ففيه احتمالين : الأول : كان الإمهال لحين حدوث معركة بدر ، حيث أحرز المسلمون فيها نصرا مبينا على الكفار بعد مدة قليلة من نزول الآية . ومعركة بدر أول ضربة موجعة تلقاها المشركون من المسلمين ، ثم تلتها ضربات في معركة الأحزاب ومعركة خيبر وغيرها ، مما أفشل مخططات الكفرة
--> 1 - ف " رويدا " في محل مفعول مطلق ، والمعنى : أمهلهم إمهالا قليلا ، أما ما قيل من كونها تحمل معنى الأمر ، فهو بعيد ، لأن ذلك سيستلزم للآية ثلاثة أوامر . ومع أن " رويدا " جاءت بمعنى الأمر ، وعلى صيغة اسم فعل ، لكن الأنسب لها في هذا الموضع أن تكون منصوبة كمفعول مطلق .